الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

164

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

معاني اللام أن تدل على معنى الكمال . ورتبوا بالفاء انتفاء الشافعين على جملة : وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ حيث أطمعوهم بشفاعة الأصنام لهم عند اللّه مثل المشركين من العرب وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [ يونس : 18 ] فتبيّن لهم أن لا شفاعة لها ، وهذا الخبر مستعمل في التحسر والتوجع . والشافع : الذي يكون واسطة جلب نفع لغيره أو دفع ضر عنه . وتقدم ذكر الشفاعة في قوله : وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ في البقرة [ 123 ] ، والشفيع في أول سورة يونس . وأما قولهم : وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ فهو تتميم أثاره ما يلقونه من سوء المعاملة من كل من يمرون به أو يتصلون ، ومن الحرمان الذي يعاملهم كل من يسألونه الرفق بهم حتى علموا أن جميع الخلق تتبرأ منهم كما قال تعالى : وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ فإن الصديق هو الذي يواسيك أو يسليك أو يتوجع ويومئذ حقّت كلمة اللّه الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [ الزخرف : 67 ] وتقدم الكلام على الصديق في قوله تعالى : أَوْ صَدِيقِكُمْ في سورة النور [ 61 ] . والحميم : القريب ، فعيل من حمّ ( بفتح الحاء ) إذا دنا وقرب فهو أخص من الصديق . والمراد نفي جنس الشفيع وجنس الصديق لوقوع الاسمين في سياق النفي المؤكّد ب مِنْ الزائدة ، وفي ذلك السياق يستوي المفرد والجمع في الدلالة على الجنس . وإنما خولف بين اسمي هذين الجنسين في حكاية كلامهم إذ جيء ب شافِعِينَ جمعا ، وب صَدِيقٍ مفردا ، لأنهم أرادوا بالشافعين الآلهة الباطلة وكانوا يعهدونهم عديدين فجرى على كلامهم ما هو مرتسم في تصورهم . وأما الصديق فإنه مفروض جنسه دون عدد أفراده إذ لم يعنوا عددا معيّنا فبقي على أصل نفي الجنس ، وعلى الأصل في الألفاظ إذ لم يكن داع لغير الإفراد . والذي يبدو لي أنه أوثر جمع شافِعِينَ لأنه أنسب بصورة ما في أذهانهم كما تقدم . وأما إفراد صَدِيقٍ فلأنه أريد أن يجرى عليه وصف حَمِيمٍ فلو جيء بالموصوف جمعا لاقتضى جمع وصفه ، وجمع حَمِيمٍ فيه ثقل لا يناسب منتهى الفصاحة ولا يليق بصورة الفاصلة مع ما حصل في ذلك من التفنن الذي هو من مقاصد البلغاء . ثم فرعوا على هذا التحسر والندامة تمنّي أن يعادوا إلى الدنيا ليتداركوا أمرهم في